جلال الدين السيوطي
32
حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة
فأقام العاضد مكانه في الوزارة صلاح الدين يوسف ، ولقّبه الملك الناصر . قال أبو شامة : وصفة الخلعة التي لبسها صلاح الدين يومئذ عمامة بيضاء تنّيسيّ « 1 » بطرف ذهب ، وثوب دبيقي « 2 » بطراز ذهب ، وجبّة بطراز ذهب ، وطيلسان بطراز ذهب ، وعقد جوهر بعشرة آلاف دينار ، وسيف محلّى بخمسة آلاف دينار ، وحجره بثمانية آلاف دينار ، وعليها سرج ذهب وسريسار ذهب مجوهر ، وفي رأسها مائتا حبّة جوهر ، وفي قوائمها أربعة عقود جوهر ، وفي رأسها قصبة بذهب ، وفيها شدّة بيضاء بأعلام بيض ، ومع الخلعة عدة بقج « 3 » ، وخيل وأشياء أخر ، ومنشور الوزارة مكتوب في ثوب أطلس أبيض ؛ وكان ذلك يوم الاثنين الخامس والعشرين من جمادى الآخرة سنة أربع وستين ؛ وكان يوما مشهودا ، وارتفع قدر صلاح الدين بالديار المصريّة ، وائتلفت عليه القلوب ، وخضعت له النفوس ، واضطهد العاضد في أيامه غاية الاضطهاد « 4 » . فلمّا كان سنة خمس وستّين حاصرت الفرنج دمياط خمسين يوما ، فقاتلهم صلاح الدين حتّى أجلاهم ، وأرسل نور الدين إلى صلاح الدين يأمره أن يخطب للخليفة المستنجد العباسيّ بمصر ؛ لأن الخليفة بعث يعاتبه في ذلك ؛ فلمّا كان سنة ستّ وستّين ، اتّفق موت المستنجد « 5 » ، وقام المستضيء ، وشرع صلاح الدين في تمهيد الخطبة لبني العباس ، وقطع الأذان بحيّ على خير العمل من ديار مصر كلّها ، وعزل قضاة مصر لأنّهم كلّهم كانوا شيعة ، وولّى أقضى القضاة بها صدر الدين بن درباس الشافعيّ ، استناب في سائر الأعمال شافعيّة . فلما دخل سنة سبع وستّين أمر الملك صلاح الدين بإقامة الخطبة « 6 » لبني العبّاس بمصر في أوّل جمعة من المحرّم وبالقاهرة في الجمعة الثانية ، وكان ذلك يوما مشهودا ؛ والعجب أنّ أوّل من خطب للمعزّ حين أخذت مصر عمر بن عبد السميع العباسيّ الخطيب بجامع عمرو وبجامع ابن طولون ؛ فكان أوّل من خطب لبني العباس هذه النّوبة شريف علويّ ، يقال له محمد بن الحسن بن أبي الضياء البعلبكيّ « 7 » . ولما بلغ الخبر
--> ( 1 ) نسبة إلى البلدة المصرية تنيس . ( 2 ) في معجم البلدان : دبيق بلدة بمصر كانت بين الفرما وتنيس . ( 3 ) البقجة : الصرّة من الثياب ونحوها . ( تركية ) . ( 4 ) انظر سبب ذلك في الكامل لابن الأثير : 9 / 103 . ( 5 ) توفي تاسع ربيع الآخرة . [ الكامل لابن الأثير : 9 / 108 ] . ( 6 ) انظر ذلك في شذرات الذهب : 4 / 219 . والكامل لابن الأثير : 9 / 111 . ( 7 ) في الكامل لابن الأثير : 9 / 111 : إنسان عجمي يعرف بالأمير العالم .